د. بهجت سليمان: {دور الفكر في بناء المغزى السّياسيّ} و تحدّيات "العولمة" للمجتمعات "النائية"

[الحلقة الخامسة والسبعون "75" - الجزء 5 من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"] حول:

{دور الفكر في بناء المغزى السّياسيّ}

و تحدّيات "العولمة" للمجتمعات "النائية"..


• د. بهجت سليمان

في العقود القليلة الماضية لا يصعب علينا أن ننظر إلى البشريّة و قد انحرفت "ثقافيّاً" في مضامين شتّى من مثل ظاهرة "الانتحار الجماعيّ" بدوافع عقائديّة أو دينيّة، و هو ما يلقي الضّوء مباشرة على ظاهرة "الإرهاب" العالميّ، بما هو "إرهاب دولة" أو "إرهاب أفراد"، أو في القناعة الغيبيّة لبعض الحركات العقائديّة الخرافيّة بفضائل "الانتحار الجماعيّ" تجنّباً للخوض في عيش حياةٍ صادرها الأقوياء؛

أو في مظاهر أخرى كالعبث بحقوق الإنسان في ظلّ "منظّمات دوليّة" متخصّصة في "الدّفاع" عن حقوق و كرامة الإنسان؛

أو كالعمل على تحريف الأفكار الفلسفيّة السّياسيّة تحريفاً عنيفاً و عمليّاً؛

أو في ازدياد حدّة الأفكار التّسلّطيّة التي تتبناها مراكز القوّة و الأكثر قوّة في العالم؛

أو كالفساد الأخلاقيّ التّكنوقراطيّ و الاقتصاديّ و الماليّ، العالميّ، و ازدياد سطوة الاحتكارات الاقتصاديّة العالميّة، و سعيها وراء تحقيق مصالحها و لو بقوّة السّلاح؛

و فقدان النّزعة الإنسانيّة التي جاءت بها "الحداثة" السّياسيّة العالميّة في نهايات القرن الثّامن عشر؛

و انتشار حركة عالميّة اقتصاديّة و اجتماعيّة بالانقلاب على مبادئ العدالة الاجتماعيّة، التي كانت نبراساً للفكر السّياسيّ و الاقتصاديّ على مدى قرنين ماضيين من الزّمان؛

و سحق آمال الطّبقات العاملة و المتدنيّة من المجتمعات العالميّة، و زيادة البطالة و انخفاض الأجور بالمقارنة مع ارتفاعات مستويّات الدّخل للطّبقات الحاكمة،

و تدهور مستويات معيشة الطّبقات و الفئات الهامشيّة و التي يجري العمل على زيادة تهميشها ، و تقلّص الخدمات الاجتماعيّة التي تقدّمها الدّول،

و تخلّي الدّولة عن صفاتها "الكينزيّة" في الاقتصاد بفقدانها المبادرات على لعب دور الدّولة الحمائيّة و المتدخّلة، و استشراء "آليّات السّوق" الرّأسماليّة "الحرّة"،

و تحوّل "الحكومات إلى مجرّد "حامية" للأنظمة السّياسيّة، باستهتار اجتماعيّ و إنسانيّ غير مسبوق، و ازدياد التّفاوتات في توزيع "الثّروة"؛

و يمكن التّعداد في هذه "القائمة" إلى مسافة طويلة ممّا لا فائدة منه بالنّسبة إلى ما نريد الحديث عليه.

[للاستزادة، راجع: فخ العولمة – الاعتداء على الدّيموقراطيّة و الرّفاهية. تأليف هانس – بيتر مارتن – هارالد شومان. ترجمة عدنان عباس علي – 1998م].

و حيث يتوقّع المفكّرون السّياسيّون "أن يكون المستقبل صورة من الماضي المتوحّش للرّأسماليّة"، فإنّنا أمام صورة قاتمة لعالم قاسٍ يمكن أن ينتظر الأبناء و الأحفاد و الشّرائح الاجتماعيّة ذات الدّخل المحدود، ما يجعل من المستقبل متاهة حقيقيّة للأفراد و المجتمعات و الدّول الضّعيفة أيضاً.

تُعتبر "العولمة" (Globalization)، بأبعادها المختلفة نتيجة حضاريّة باهظة الصّورة الواقعيّة، ما يمكّن الأخلاقيين أن يجعلوا من "الفكر السّياسيّ" الأخلاقي موضوعاً للاتّهام و المساءلة عمّا آل إليه العالم، في ظلّ "العولمة" اليوم بعد تاريخ طويل من النّضالات "الثّقافيّة" و السّياسيّة، التي انتهت جميعها إلى الإفلاس.

ترى ما هي "الأسباب" الفعليّة التي جعلت هذا "المشهد" الملتاث ممكناً، هذا إن كان يحقّ للفكر طرح هذا السّؤال!؟

و أين النّقص الجوهريّ في طاقة التّحوّلات العالميّة التي جعلت من النّكوص الشّامل أمراً ممكناً، على التّحديد؟

إنّهُ في حرّيّة "الفكر"، فقط، ما يُمكننا أن نعتبره أصولاً في تحديد المشكلات، و ذلك عندما لايستطيع هذا الفكر إدراك الكيفيّات المؤثّرة، التي من شأنها أن تخترق جمود و صلابة التّحدّيات القائمة في حقوله و فضاءاته المشتركة بين النّظريّة و التّطبيق؛

و ذلك باعتبار أنّ العضويّة التي تعتبر الرّابط الحقيقيّ بين الأفكار و العمل هي عضويّة خفيّة، على الأغلب، و هو ما يجعل من مهمّات الفكر مسؤوليّات بلا حدود.

و الحديث على الفكر السّياسيّ، و حده، ما يجعلنا ندخل في قلب "الحدث" التّاريخيّ الذي نريد التّصدّي له بالتّفكيك و التّحليل و الجمع و التّركيب.

في إطار ذلك، فإنّه لم يوفّق تاريخنا الحديث، تاريخ العالم على ما أعنيه، بنموذج "ديموقراطيّ" من المفكّرين المعاصرين، يجعل من استعادة "خطبة (بركليس)" (494- 429 ق. م) أو (490- 429 ق. م)، أعظم السّياسيين في تاريخ (أثينة) و اليونان القديمة.. استعادة إحيائيّة مؤثّرة و أخلاقيّة و صادقة؛
بحيث يتمكّن "النّظام السّياسيّ"، مطلق "نظام"، من مواجهة نفسه مواجهة جريئة كفيلة بجعله يقود نفسه نحو "الانتحار" الأخلاقيّ، خجلاً و عاراً و تشبّهاً بالأخلاقيين(!) و ذلك لما انطوت عليه تلك "الخطب" الشّهيرة، من تحديد فرص العبقريّة الأخلاقيّة للأفراد بمختلف مواقعهم و طبقاتهم، التي تجعل منهممواطنين حقيقيين في "المدينة" أي: في الوطن؛

حيث لم يذهب (بركليس) إلى إحياء ذكرى الآباء و الأجداد الذين أسّسوا للمواطنة، بقدر ما بقي في "الحاضر" و عظمته، و بخاصّة عندما يتمكن "المواطنون" من إغنائه من أجل عظمة جديدة تعود بالتّشريف لجميع "المواطنين".

مثلت "الوطنيّة" في "خطبة" (بركليس) أسمى شرف للأثينيين:

"أناشدكم أن تسلّطوا أنظاركم يوماً تلو يوم على عظمة أثينة حتّى تفيض قلوبكم بحبّها، و إن أخذتم يوماً بمجدها و عظمتها، فاذكروا رجالاً عرفوا واجبهم، و أقاموا بشجاعتهم صرح هذه الإمبراطوريّة، و كانوا إذا ما جدّ الجِدّ لا يُخامرهم إلّا شعورهم بخوف العار و إباء الضّيم، و إذا ما قدّر لهم الفشل أبَوا أن تفقد بلادهم شرفها أو مجدها، فجادوا لها راضين بأرواحهم كأعزّ قربان يقدمونه [لها] في يوم عيدها".

[انظر: حورج سباين. تطور الفكر السّياسيّ، في خمسة أجزاء. ج 1. ص(49- 50)]؛

و هذا على الرّغم من أنّ (أفلاطون)، كبيرفلاسفة التّاريخ، قد هجم (في "الجمهوريّة" – الكتاب الرّابع) بشدّة على "النّظام الدّيموقراطيّ" الذي تأصّل في مشاعر (بركليس)، عندها منيت (أثينة) بهزيمة نكراء، في ما بعد، ذلك النّظام الذي جعل "كلّ مدينة، و إن صغُرت، قد انشطرت إلى شطرين: إحداهما مدينة الفقراء و الأخرى مدينة الأغنياء".

و لقد أثبت تاريخ "العقل" في "مشروع الزّمان" رؤية (أفلاطون) في أنّ كلّ خير، في دلالاته و نتائجه، إنّما يعود إلى "المعرفة"، و بالأحرى أنّ "الخير" هو نفسه "المعرفة".

 أريد في هذا الكلام التنظيري النّقديّ الفكريّ السّياسيّ، أن أقول إنّه لا تتوفر في الأرض و في أنظمة الدّول السّياسيّة، التّاريخيّة، أيّة إيجابيّات قابلة للنّموّ، إلّا في ظلّ "ديموقراطيّة المعرفة" التي تقوم في جوهرها على ما يُناقض "الاستبداد المستنير" و ثماره الموفّقة في حكم الأنظمة السّياسيّة و الدّول قديمها و حديثها في ظروف ملهمة و ملحّة، و أعني على مقابل ذلك من "ديموقراطيّة الثّقافة الوطنيّة للأفراد الفاعلين"، أو بخاصّة على "ديموقراطيّة المعرفة" و التي هي "نموذج جمعيّ" من "ديموقراطيّة (بركليس)" الحازمة، و أرستقراطيّة (أفلاطون) المعرفيّة؛
و هذا بعد التّمحيص الدّقيق في واقع العالم و ظروف "الدّولة الحديثة"، في ظلّ "العولمة".

تبدو "العولمة" ، اليوم ، سبباً واسعاً مباشراً و غير مباشر، للإخفاقات السّياسيّة الوطنيّة في وضع و تنفيذ "السّياسات الوطنيّة"، بما هي "نظام عالميّ" متين؛
غير أنّ متانة هذا "النّظام"، بما يحمله من تبشير تعجيزيّ و إذلاليّ للنّظم السّياسيّة و الدّول الوطنيّة النّائية عن مفاهيمه و أدواته و مشاركاته التّدبير، لا تعني، البَتَةَ، التّسليم بالفشل الثّقافيّ التّاريخيّ من اختراق سماكة تقاليد "الحضارة" المعاصرة، مثلما أنّها معطى جديد يطرح إشكالاته علينا، نحن الشّعوب و الدّول "النّائية"، كأحجية مريرة تستغرق من طاقاتانا معظم قدراتنا و محاولاتنا السّيطرة على ظروفنا الخاصّة.

على الرّغم من التّعميم الهائل للبطش الإنسانيّ الذي تقوم عليه "العولمة" بنظامها الاستئثاريّ الاحتكاريّ في الثّقافة و التَّقنيَة و الاقتصاد و السّياسة و الاجتماع.

يجب على "الفكر السّياسيّ" المعاصر، في إطار نظريّتنا النّقديّة العقلانيّة، بخاصّة، أن يستطيع اختراق "النّظام الثّقافيّ" للعولمة، و خاصّة لأنّها لا تملك نظاماً معرفيّاً خاصّاً، ثابتاً و مستقرّاً، على رغم "تفكيكيتها" التّذريريّة الواعية لمنهجها ؛ اختراقاً يعتمد بالدّرجة الأولى على الثّقة بأنّ النّظام الاقتصاديّ و السّياسيّ في العالم اليوم، في حظيرة "العولمة"، هو نظام هشٌّ كما أثبتت التّجارب القريبة الماضيّة من أزمات اقتصاديّة و سياسيّة و جيوبوليتيكيّة صريحة، في أميركا و سورية و "الشّرق الأوسط" و "القرم" ، بل و حتّى في أوروبّا نفسها في التناقضات الشّديدة لمصالحها ما بين "الشّرق" و (أميركا)، على نحو جعلها ( أوربا ) تعيش ارتباكات سياسيّة و أفقاً محدوداً بالنّظر إلى غدها القريب.

إنّ طروحاتنا المتوالية بالإصرار على دورنا في مشاركتنا إنجاز العالم في "الحضارة"، على نحو ما ، وفق ما نتابع الحديث عليه في أمر "النّموذج الوطنيّ و القوميّ" الثّقافيّ الموحي بالاستمرار ضدّ "الانقراض"؛
يحتّم علينا طروحات جديدة خالصة في "الفكر السّياسيّ" و التّنظير و إلهام "السّياسة" و "الدّولة" إيحاءات عمليّة و مباشرة كسبيل للتّخطيط و الفعل في حضارة تعمل على تهميش "الثّقافات" الوطنيّة و القوميّة و القضاء عليها في أطراف "النّظام".
في "قانون منافع الكلفة المقارِن" الذي أطلقه الاقتصاديّ البريطانيّ المؤسِّس (ديفيد ريكاردو) (1772- 1823م)، الذي يقول إنّ "الدّول المتطوّرة" ليست، فقط، لا تقوم بتوريد السّلع التي لا تستطيع إنتاجها بنفسها، و إنّما تورّد، على الأخصّ، تلك المنتجات الاستراتيجيّة التي تعتقد أنّ في صناعتها كفاءة و مهارة خاصّتين؛

أقول في هذا "القانون" يكمن مقتلٌ مباشَرٌ للنّظام الاستئثاريّ العالميّ، عندما نستطيع أن نُدرك، أوّلاً بالفكر السّياسيّ، أنّ مواجهة هذا "الاحتكار" الاقتصاديّ- السّياسيّ، يكمن بالإصرار الاستراتيجيّ المسؤول، و الوطنيّ و الأخلاقيّ السّياسيّ، على إنتاج "وسائل الإنتاج"، محلّيّاً و وطنيّاً ، قبل إنتاج "السّلعة اليوميّة"، كمقدّمة ثابتة للاستقلال الاقتصاديّ و السّياسيّ عن الدّوران المدوّخ في فلك "النظام العولميّ"، و عدم الاعتماد عليه في اعتياشنا بواسطة إحضار حاجاتنا المعاصرة المتنامية، بتصاغر، من السّلع الاستراتيجيّة، بخاصّة، من "الخارج"، و هذا هو مغزى مواجهات خطورة هذا "النّظام"؛

مع التّنويه إلى تفصيل عمليّ و هو ضمان مخاوف "رأس المال" في فترة العمليّة الاستثماريّة لوسائل الإنتاج التي ستقدّم السّلع الاستراتيجيّة البديلة، و التي يُسـمّيها الألمانيّ الاقتصاديّ و الفيلسوف الكبير (كارل ماركس) (1818- 1883م)، "فترة الرّواج" و التي تمتدّ على طول الفترة الزّمنيّة لنفاذ القانون الاسـتثماريّ الرّيعيّ الذي يُعبّر عنه القانون الرّيعيّ الرّأسـماليّ: (ن – ب – ن).

منذ البريطانيّ – الاسكتلنديّ: كبيرُ مؤسّسي "الاقتصاد السّياسي" و أبو "الاقتصاد الحديث" (آدم سميث) (1723- 1790م)، فقد تأكّد أن "رأس مال" الأمّة، كلّ أمّة أو دولة، إنّما هو "العمل" فيها و "الإنتاج"؛

و هذا ما ينبغي على الفكر السّياسيّ الاستراتيجيّ أن يُدركه من دون عناء ، أما أمثلة شاهقة الارتفاع و السّطوع في عالمنا المعاصر، ليست هي و حسب، (اليابان) أو (الصّين) أو (إيران) أو (الهند).. و (ماليزيا) التي ستستعيد، اليوم، تألّقها الاقتصاديّ، مع عودة زعيمها الوطنيّ التّقليديّ (مهاتير محمد) إلى الحكم.. عن عمر ناهز (92) عاماً؛

ما يعني أنّ على "الفكر" أن يقدّم إسهاماته في "اقتصاد العمل" و "اقتصاد الإنتاج" من دون مداورة أو مجاملة للطّبقة الاقتصاديّة- السّياسيّة الحاكمة، هذه التي يمكن، غالباً، أن تكون مصالحها مرتبطة مباشرة بالكولونياليّة الاستعماريّة بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر في استدامة النّمط الإنتاجيّ المتخلّف و الذي يستهلك من التّوزيع المالي، ربّما، ما يستهلكه نظام اقتصاديّ حازم و شفّاف و وطنيّ و عصريّ.

لا يبحث "الفكر السّياسيّ" النّقدي على "إجاباتٍ قصوى"، فهذا من شأن "الميتافيزيقا" بخاصّة، و التي سميّت، بسبب ذلك، بِ"الفلسفة الأولى"؛
كما أنّه لا يخترع الوصفات الشّافية، فذلك من شأن "الرّوحانيين"؛
و لكنّه في الوقت نفسه لا ينظر إلى "الخضوع السّياسيّ" و متفرّعاته بأنّه يعود إلى "جوهر أخلاقيّ" مهملاً مسألة "القانون" و السّلطة الرّاغمة، مثلما فعل (روسو) عندما فهم (أفلاطون) فهماً خاطئاً، مع اختلاف ظروف المكان و الزّمان؛
و ربّما يعود الأمر إلى أنّ (روسو) قد اتّخذ من "الفلسفة" نفسها موقفاً معارضاً، و ذلك بفهمه المتسامح لِ"المجتمع" و تناقضاته و تركيباته الباطلة في ظلّ الظّروف "المدنيّة" الحديثة، على عكس ما كان عليه في أيّام (أفلاطون)؛
و هذا ما لا يفهمه كذلك (جورج سباين) الذي اعتبر أنّ (روسو) تلميذ، و حسب، لأفلاطون.

[انظر: جورج سباين. تطوّر الفكر السّياسيّ. الكتاب الرّابع. ص(60- 61)].

على أنّ المشكلة في استكانة الفكر السّياسيّ المعاصر ، العربيّ عامّةً و السّوريّ منه خاصّةً، أمام ظاهرة كظاهرة العولمة، يعود، ببساطة، إلى ما نقدّره بالصّفعة المواجهة لمحدوديّات التّفكير و فقدان الأصالة الفكريّة عند زاعمي الفكر في زماننا، مع العلم أنّ هذه "الظّاهرة"، ظاهرة "العولمة" هي ليست أكثر من إعادة لتنظيم العالم في "نظام دوليّ" جديد، أكثر إحكاماً و أكثر شراسة و تطوّراً، كما كنّا قد ألمحنا أو تحدّثنا في هذا الأمر، سابقاً، هنا، في أكثر من مناسبة.

و يمكن لنا أن ننظر إلى بعض "المفكرين" العرب، في هذا السّياق، على الحصر، نظرة مختلفة من حيث تفهّمهم السّريع لظاهرة "العولمة" على أنّها "ظاهرة موضوعيّة تاريخيّاً" نتيجة تطور "العلاقات الدّوليّة" بمضامينها المتطوّرة، و ذلك كما قد أشار إلى ما معناه (محمود أمين العالم)، على أنّ "العولمة" ليس أكثر من أنّها "الرّأسماليّة تجدّد نفسها" وفق "المفكّر (فؤاد مرسي") في كتابه الصّادر بهذا العنوان منذ عام (1990م).

[انظر: الفكر العربيّ بين العولمة و الحداثة و ما بعد الحداثة. إشراف: محمود أمين العالم. منتدى سور الأزبكيّة. القاهرة – 1999م. "العولمة و خيارات المستقبل": محمود أمين العالم].

تبدو المجتمعات "النّائية" عن مركز أو مراكز "النّظام العالميّ الجديد" كمجتمعاتنا المتردّدة، الحقل الأخصب لشهوة الإمبرياليّة المعاصرة، بما هي مشروع "إمبراطوريّة عالميّة" تتنامي و تنضج، بغضّ النّظر عن "غربيّتها" أو "شرقيّتها"، و هذا ما لم تفهمه، بعد، نخبنا الفكريّة السّياسيّة، بمن فيهم أولئك "المفكّرون" الألمع في التّاريخ العربيّ المعاصر، بمن فيهم أقدرهم فكريّاً من أمثال (محمود أمين العالم) أو (فؤاد مرسي) [راجع البحث، أعلاه]، حيث لمّا تستطع هذه النّخب من مغادرة الّلغة الماركسيّة العربيّة التي أهانت الفكر الماركسيّ، نفسه، عندما لم تعرف كيف تخرج من قوقعة الوهم التّقليديّ الذي ينسب "الإمبرياليّة" المعاصرة بِ"كوسموبوليّتها" الاقتصاديّة و السّياسيّة، إلى الغرب الأميركيّ و الغرب الأوروبّي، فقط، دون أن ينظر إلى عالميّة توزّع أدوات العولمة في الأدوار و درجات التّطوّر الرّأسماليّ المتباينة أو الّلامتكافئة.

على كلّ حال، فإنّه لا يجوز لنا أن نتراجع، اليوم، بذريعة تراجع "الجميع"، في الأمس؛ و لهذا علينا، في إطار "الفكر السّياسيّ"، الذي نروّج له، أن نستطيع امتلاك المفاتيح السّياسيّة (و السّياديّة) التي نفتح بها الأبواب الاجتماعيّة و الثّقافيّة المغلقة، حتّى اليو م، في مواجهة جدّيّة و طائلة أمام من أغلقوا و مازالوا يصرّون على إغلاق الآفاق العمليّة الاجتماعيّة و السّياسيّة أمام طاقات المجتمع و السّياسة، الضّامرة، في (سورية)، و المضمرة، و التي، وحدها، تكفل لنا تقدّماً تاريخيّاً، بالانتماء إلى المجتمع "العولميّ" المعاصر، فلا نبقى على أطرافه، نائين و متفرّجين.

في هذا الإطار لا بدّ من إشراك "الفكر"، في النّموذج الموحي المعاصر، بما هو متجاوز للذّكريات "السّياسيّة" المنقضية في العالم و التّاريخ، من دون أن نتصور أيّة إمكانيّة للعودة بالشّروط الاجتماعيّة و السّياسيّة إلى الخلف، و لو كان الماضي قد بدا و يبدو علينا عزيزاً كمثال على الاستقرار و الرّفاه .

هنا من الواضح أنّنا نتحدّث عن كسر الاحتكار الثّقافيّ و السّياسيّ للنّخب السّوريّة الحاكمة، بعد أن تبيّن عجزها التّاريخيّ عن مواكبة الظّروف "المباغتة" التي أفرزها التّطوّر العالميّ السّريع و الملحاح في العقد الماضي، على الأقلّ، بما فيها و بمن فيها من تقاليد و رموز تقليديّة أدوا "دورهم التّاريخيّ" على نحو من الأنحاء، و صار من الّلازم الّلحاق بالواقع العالميّ، بسرعة لا يكفلها إلّا جملة من القطوع التّاريخيّة الثّقافيّة و السّياسيّة، لا يمكن الادّعاء بتوفّر أدواتها أو بتوافرها في كلّ مكان.

وفق الفرنسيّ المعاصر (جيرار ليكلرك) (المولود عام 1943م)، ناقداً، فإنّه ليس للإسلام أو للشّرق عموماً أيّة إسهامات أو أيّ نصيب بصناعة الحضارة العالميّة، في إطار المركزة و التّغريب الغربيَّين.

[انظر: جيرار لِكْلِيرك. العولمة الثّقافيّة – الحضارات على المحكّ. تعريب د. جورج كتورة . 2004م)].

و مع ذلك فإنّه من باب "التّثاقف": "أن نشهد إحياء الحروب القديمة بين الأديان و الحضارات [الثّقافات]، و النّمط المشير إلى ذلك نشهده في الحروب الصّليبيّة، و حروب الجهاد بين المسيحيّة و الإسلام، كما نشير إلى تصادمات إثنيّة، و المنافسة في الادّعاءات الكونيّة".

[ المصدر: ص(25)].

من باب ما نناقشه، نحن، فإنّه يصحّ في قبول تحدّي العالم المعاصر و العمل على استيعابه و "ثنيِهِ" في الخطاب المعاصر الثّقافيّ- السّياسيّ، الحداثيّ، أو ما بعد الحداثيّ، في اعتبار "الإشكاليّة العالميّة، هي إشكاليّة الجدل الذي لا يقبل الالتفاف ما بين التّعدّديّة و الوحدة [الواحديّة، و هي الأسلم من كلام ليكليرك] (أو التّوحيد أو الشّموليّة) و العزلة (أو الاستقلاليّة) و المبادلات، و التّقاليد الخاصّة و الحداثة الشّاملة، الأديان و العلوم و ردود الفعل "الدّافعة باتّجاه الهويّة" (القوميّة، القائلة بالدّمج الكلّيّ، إلخ)، و ضرورة التّبادل و التّواصل".

[المصدر ص(26)].

ثمّة تحوّلات عالميّة تصدمنا "حسّيّاً"، و لكنّنا سنغيّر رأينا، حتماً، عندما نتأمّل تفاصيل المشهد العالميّ في إطار ما يُسمّى "عصر العالميّة" (global world).
يقول (لِكْلِيرك) في نصّ واقعيّ و ملفت:

"مع الدّخول في عصر "العالميّة".. بدأ زمان العالم النّهائيّ. و الإمبراطوريّات تلامس قوّة فنائها الذّاتيّ واحدة بعد الأخرى إذا أرادت ذلك، و لكن مع خطر إفنائها للبشريّة و تدمير كوكب الأرض. برزت العالميّة مع اطّراد حركة التّبادل و العلاقات المسالمة أو العنيفة، بالتّجارة أو بالحرب، و لكن أيضاً مع ولادة الإنسان الحراريّ أو الذّريّ. لقد ظهرت العالميّة مع العصر الذّريّ".

[المصدر: ص(307- 308)].

هنا يقارب (لِيكليرك)، في رأينا، ما لا يستوعبه، و هو أنّ العصر الذّريّ الذي يتحدّث عنه، قد جعل الأرض كلّها في توتّر غير مفهوم، أو غير معترف به على الأدقّ؛
فبدا أنّ الجميع في إقبالٍ على العنف، فيما الحقيقة أنّ الجميع يتهيّب منه تهيّب "الجبان" الذي يندفع لملاقاة عدوّه، و هو في قمّة الهلع مُبدياً الشّجاعة في صيغة التّهوّر.

يُفيدنا هذا التّحليل لنقول إنّ علينا الإصرار على التّمسّك بالجزء الأعزّ من "الهويّة" و المتمثّل في أنّنا قادرون على الدّخول في مغامرة "العالميّة" طالما أنّنا أمام واقع موضوعيّ عالميّ لا يهرب من الاعتراف به إلّا الشّعوب المنقرضة، نفسها، أو السّائرة في طريق الانقراض؛

غير أنّه للدّخول في هذا الفصل، يتحتّم علينا تبنّي علاقات واقعيّة مع العالم و تأليف نموذجنا الخاصّ من الثّقافة، الذي يستطيع أن يكون كافياً معرفيّاً، و أعني بعد الاندماج في العناصر الأكثر جوهريّة لثقافة العالم و تقاليده الرّائدة و المجرّبة، من دون أن نسمّيها، هنا، و قد كان لنا معها وقفات طويلة و متعدّدة و مختلفة، بالتّصريح و بالإشارة، و ربّما نعود إليها في حديث موسّع مستقبليّ و مستقلّ.

في الخوف المشروع من عدم كفاية "ديناميّات" الحرب لتقديم التّصوّرات العمليّة الضّروريّة للسلوك الثّقافيّ، المطابق، لِ"المؤسّسة" السّياسيّة، تبدو التّحدّيات أكبرَ فأكبرَ أمام النّسق الفكريّ السّياسيّ الذي يوفّرُه خطاب الحرب، نفسه، و قد تجاوز، في أبعاده، "الثّقافة"..؛

غير أنّه، في قناعتنا ، عندما يكون "الدّافع الثّقافيّ" العالميّ و المحلّيّ هو ما يكمن وراء الانزياح الاجتماعيّ الكبير الذي أنتجته الحرب، يغدو من المشروع و الضّروريّ أن ننظر إلى مهمّة "الفكر السّياسيّ" على أنّها مهمّة أصليّة، اليومَ، و ذلك بعد عهود طويلة من مزاحمة "الثّقافي" نفسه، للمعرفة التي ينبغي أن تكون مختزنة في جوهر الفكر السّياسيّ و في حياضه، أيضاً، و هي كذلك بالفعل، هذا "الفكر" الذي لم يتوفّر له مناخه الطبيعيّ في ظلّ انجرافات كبيرة للقيم الوطنيّة و القوميّة الحضاريّة، في واقع "إشكاليّ"، اجتماعيّ و سياسيّ، جعل من الإعلان الخطابيّ السّياسيّ الممجوج، بديلاً للخطاب المعرفيّ، بعد أن كان هذا الأخير متهماً أمام الثّقافة الإعلانيّة السّياسيّة المدروسة، بدقّة، من قبل أفرادها و "جماعاتها" في الدّولة و المؤسّسات.

لا مفرّ من معاصرة العالم. و هذا بالضّرورة ما يفرض علينا مراجعات شاملة في "مختبراتنا" السّياسيّة، لتلمّس أهمّ و أشهر الإخفاقات "الحضاريّة" ذات الجذر "الثّقافيّ"، حتماً، التي عملنا على تجاهلها، أو تلك التي جهلناها، و ذلك من أجل استعادة مشروعيّاتنا "العالميّة"، انطلاقاً من أصغر "العلاجات" لأمراضنا الوطنيّة و القوميّة و السّياسيّة، مهما بدت لنا ليست ذات بال.

في التّنظير المسؤول يتبيّن لنا حجم عجزنا عن الإلمام بأبسط المعارف المعاصرة التي دفعت بهذا المحيط العالميّ إلى لفظ "الثّقافات" الوطنيّة و القوميّة، عندما استطاع قهر هياكلها المؤسّسيّة بعنف أمواجه العاصفة؛
و نتعلّم، إذ ذاك، أنّه ليس بالتّقليد المسكين الطّيّب أو الوقح و المتآمر، البريء منه، و غير البريء، يمكن لنا إنجاز حداثتنا الخاصّة، فيما يتطلّع العالم "الحضاريّ" إلى إنجاز حداثته الثّالثة (الحداثة، و ما بعد الحداثة، و ما بعد بعد الحداثة).

إنّ الظواهر السّياسيّة التاريخيّة كالدّولة و السّلطة و المجتمع و الفرد التّاريخيّ و المواطن، هي "مؤسّسات" تراكميّة بالمعنى المحدّد للكلمة، و بالتّالي هي "أشياءٌ" قابلة للانحدار و الاندثار أو للتّطوّر و تكثيف الدّلالات؛

و على هذا يشتغل الفكر السّياسيّ الذي يُعنى بالواقع المباشر و التّاريخ، على أساس أنّه فكرٌ يحمل دلالاته الخاصّة من خلال إضافة "المعنى" المتزايد للوقائع و الظّواهر و الأحداث النّاجزة و غير النّاجزة، من حيث أنّ النّاجزة منها تعي ذاتها في نضوج دائم و متواصل تبعاً لحركة العالم في "المشروع"، أو من حيث أنّ غير النّاجزة منها تقترب من حدودها الحدّيّة العمليّة الموحية بالعمل و الأخلاق.

هكذا تبدو صورة الفكر التّاريخيّ السّياسيّ الذي يعبأ بمهامّه المرتبطة بالحيّز الاجتماعيّ و السّياسيّ (المؤسّسة العامة، بشكل خاصّ) ليُضيف إليها ما عجزت هويّتها العمليّة فيه من تجاوز ذاتها مجاوزة ضروريّة في معرض تفاعلها مع "اختيارات" المطارحات العالميّة في عمليّة "الوجود".

ننظر إلى "المغزى السّياسيّ" على أنّه واقعٌ حيّ لارتباطه بالعمليّة الاجتماعيّة، و لهذا فإنّ "الفكر" النّقديّ ليس انعكاساً حيويّاً للمغزى السّياسيّ، وحسب، و إنّما، أيضاً، هو إضافة حيويّة مستمرّة إلى البناءات ذات المغزى السّياسيّ، من خلال ما يُضيفه "الفكر" ، بطبيعته، من دلالات كانت تنقص موضوعاته نفسها على وجه التّحديد.

تبدو "العولمة" (أو لا تبدو..!) عمليّة مركّبة و معقّدة، كما سبق أن أشرنا إلى "موضوعيّتها" التّاريخيّة المتراكمة و المراكمة للإمبرياليّة و الكوسموبوليتيّة و "الإنسانيّة المكثّفة"(!)، و رأس المال؛

و "المناقشات السّابقة حول نموّ الاتّصالاات العالميّة نتج عنها مفهوم "الاعتماد المتبادل" و هو يعني بصورة أساسيّة أنّ آثاراً تبادليةً تنتج من الرّوابط بين الدّول المختلفة..
و مع مرور الوقت اتّضح أنّ "الاعتماد المتبادل" أمسك بجزء من القصّة فقط.

فالدّول و العاملون في دول مختلفة يتّصلون بأبعاد معيّنة، و بسبب هذه "الاتّصالات" يكون لهم آثارٌ تبادليّة في بعضهم بعضٌ.. و لكنْ نادراً ما تكون آثار هذه التّفاعلات متساوية. فالقوّة النّسبيّة و الشّدّة أو التّأثير، كلّها عوامل تحديد في العلاقات بين الدّول أو العالملين في دول مختلفة".

[الحكم في عالم يتّجه نحو العولمة. تحرير جوزيف س. ناي (و) جون د. دوناهيو. تعريب محمد شريف الطّرح. مكتبة العبيكان. الطّبعة الأولى – 2002م. "أثر العولمة في الأمن القوميّ و العالميّ" – غراهام أليسون: ص( 116- 117)].

و هكذا لكي يكون مغزى السّياسة "كافياً" في "الفكر التّاريخيّ"، و غير الانعزاليّ، فإنّه من الضّروريّ أن يتواشج في "الّلزوميّات" مع "الآخر"، متجنّباً الانعزاليّة الاختياريّة التي تصف "العقل السّياسيّ" المتسلّط و المحدود و المحاصَر، ضمن أطر "المحلّة" التّقليديّة الضّيّقة التي يُسقطها على "الدّولة" و "الوطن"، و قد نظر إلى "المجتمع" على أنّه أسرة أبويّة محدودة ناقلاً العهد "البطريركيّ" (الأبويّ) السّياسيّ إلى حقول المجتمع المعاصر، فأغلقه على هواءٍ آسنٍ و مياهٍ مُنْتَنَة لا يولد و يعيش فيها سوى جراثيم العالم المعاصر.

يبرز المجتمع المعاصر، اليوم، و "الدّولة" الوطنيّة المعولمة، كتحدٍّ تاريخيّ أمام اختيارات فضاءات "الفكر السّياسيّ" النّقديّ، و الذي لا يصنع الاستمرار الواقعيّ للوطن و الأمّة و الهويّة و القوميّة، في زمن تجاوز مناسبات الأفكار التّقليديّة بما يخصّ "المعاصرة" و "التّراث"، و هو ما قضى فيه "مثقّفونا" أدعياء الفكر و الفلسفة ردحاً مديداً من الزّمن يتخبّطون فيه في محيطٍ لُجِيّ في ظلام دامس، جعل المجتمع و الدّولة و الأفراد مجرّد تردادٍ راجف لتردّدات واجفة أنتج و أنتجت هذه "الصّورة" المتخاذلة لاتّجاهات انحراف الأفراد و الجماعات و التّجمعات، الاجتماعيّة و السّياسيّة، و خيارات الحكومات الجاهلة.

ليست، إذاً، "العولمة" موضع "جراثيم" تنتشر باطّراد في فضاءات الكرة الأرضيّة، كما أنّها ليست قضيّة "مال" (أو مصالح) يتناهش عليه البشر و الدّول و القوى العنيفة، مثلما أنّها ليست مسألة نتاج إعلاميّ "خبيث" أو مغرض، و حسب.. بقدْر ما هي تلك "الظّاهرة" الموضوعيّة التي أنتجتها كثافة العقل العالميّ بغضّ النّظر عن أخلاقيّاته و عواطف أصحابه، ذلك أنّ ثمّة من الظّواهر التّاريخيّة التي تتأصّل في الدّول و المجتمعات و الأفراد و القوى و القوميّات، ما هو خارج "الاختيار الخبيث" و "المؤامرة" التي يفسّر بها العقل المتدنّي "أسرار" العالم و آليّات "تطوّره" الرّاجحة.

و أمّا في ما يخصّ الفعل الإنسانيّ الواعي و الهادف و السّريّ ، في كثير من الأحوال ، إنّما هو ليس أكثر من استثمار انفجارات الكثافة العالميّة في الأفكار و السّياسة و الاقتصاد و المصالح، و توجيه دفّة السّفينة التي تسير بتلك الظّواهر و الوقائع و المعالم و القابليّات و الأحداث، في اتّجاه ممكن و موائم و "ذاتيّ"، أو في العجز عن التّحكّم بآليّات التّوجيه و دفّة الاتّجاه .

من هنا، حصراً، ننظر، نحن، إلى واقعيّة المشاركة الوطنيّة و القوميّة مشروع العالم الذي من صفاته الأساسيّة، كما تقدّمنا به منذ قليل، أنّه غير خاضع للاستئثار القسريّ و الإراديّ الذي تحاول العمل عليه القوى العالميّة و الكوسموبوليتيّة، بمختلف محمولاتها الوصفيّة، إن لم يكن العكس هو الصّحيح، و أعني حاجة "المشروع" العالميّ المعاصر إلى جميع "القوى" الفاعلة و المؤثّرة في مجرى "العالم" و "التّاريخ"، و لو أنّ الأمر "يختلط " و "يشتبه"، أحياناً، على القوى الأعنف في العالم، فتراها تحاول احتكار نتائج و آثار "التّطوّر" العالميّ، في إطار حضارة واحدة، و لكنْ بثقافات و قابليّات مختلفة و متفاوتة.

من عجيب الوقائع و الأحداث أنّنا، و حتّى الآن، لم نتمكّن، كثقافة و مكان، من أن نجسر تلك "الهُوّات" التّاريخيّة التي تفصلنا كذات عن "الآخر"، بالمعرفة الضّروريّة حول كيفيّات ذلك..
مع أنّنا ، في خطابنا السّياسيّ، لا ندّخر تأجيج الشّعارات التي توحي بخلود "حضارتنا" (ثقافتنا) و قابليّاتها للاستمرار التّاريخيّ، هذا مع أنّ "التّاريخ" لا يفتأ يطرح علينا أسئلته و أحاجيه في كلّ منعطف سياسيّ و عالميّ نمرّ فيه أو يُفرض علينا فرض الواجب الذي ليس منه فِكَاك.

***

فعقبت الدكتورة رشا شعبان:أ رشا شعبان

كل الشكر و الامتنان لأبحاثك أيها الحكيم، التي تشحذ عقولنا و تحرّض أفكارنا، لنتمكن من محاولة البحث عن الحلول لإشكاليات واقعنا الراهن.

لا شك أن الدعوة إلى العالمية بلبوس العولمة، تحمل واقعاََ إشكالياََ يدعونا ل التأمل و النظر في كيفية التعامل مع مفهومين، هما في الأساس في علاقة التباس و غموض مقصود و ممنهج.

ف العالمية التي تحمل مضمون المشاركة و التشاركية في صياغة العقل الكوني الأخلاقي و الإنساني، ارتدَت لبوس العولمة في لغة و ممارسة سلوكيات الفرض و الهيمنة و البعد كلياََ عن العقل التشاركي في صياغة الإنجاز الحضاري و الفكري و الثقافي الإنساني في كليته و شموليته.

و تبدو الدعوة إلى كونية الإنسان و كونية الثقافة مغرية لفكر تأملي فقط، لأنها تغفل مخاطر الانفتاح على الكوني و العالمي.

باعتبار أن الكونية تقتضي التضحية بالخصوصية ضرورة، (لأن الهوية الثقافية لإنسان ما و لشعب ما و التي تستوعب في اللغة المشتركة و التاريخ المشترك و المعتقد المشترك)، ما لم تتمكن من الحفاظ على وجودها و استمرارها من خلال وازعها الذاتي و خصوصيتها، عجزت عن مقاومة الأخطار الواردة من ثقافة الآخر، في صورة الهيمنة و الاستعمار بسبب إرادة الاستحواذ و التوسع و التملك لفئة على حساب أخرى، و لشعب على حساب الآخر، كما هو معيش اليوم.

و هذا ما يمكّننا من القول أن تلك الدعوة إلى العالمية المتمظهرة بالعولمة، ليست بريئة إيديولوجياََ، حيث تخفي الهيمنة و إرادة التسلّط، و ذوبان الذات بالمطلق في إرادة و مشاريع الآخر.

و من المفارقات الكبرى في عالم يدعو إلى العالمية، ذلك الاختلاف الإثني الذي يغذّي العنصريات الشيطانية من يهودية و أوروبية و أمريكية.

نعم .. العنصرية ، هذا الخوف، و هذا الحقد، و هذه الكراهية المتعصّبة التي تحيا من جديد و دون انقطاع عند أكثر الشعوب التي تدّعي تحضراََ بالخصوص .

العنصرية هذا الجرح الإنساني الذي يبدو لنا نائماََ و هادئاََ، لكن أدنى اضطراب داخل تلك المجموعات يجعلها تولد و تتفاعل من جديد، دون وازع أخلاقي و إنساني بالمطلق.

و من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن تلك العالمية تفتقد إلى جسم عالمي يرتقي بها و يحاول أن يجعلها متجانسة بعيدة عن التسلط و السيطرة، إنها تحتفظ فقط بذلك الرأس العالمي و الذي تنتفي عنه الإرادة الطيبة و النبيلة في إنجاز الكونية المشروعة إنسانياََ و التي تحمل مضامين الحق
و العدل و المساواة و الجمال، بل و كل ماهو خيّر ل البشرية..
إنها تفتقد لأهم مقوماتها في الحق و الحرية.

العالمية في مشروعها الكوني الذي ينبغي أن يستبعد كلياََ العلاقة القائمة على ثنائية السيّد و العبد، لأنها مشروع إنساني بامتياز.

و هذا ما لم تتمكّن من إنجازه في ضوء النوايا المبيتة و اللا إنسانية الموجّهة ضد البشرية، ل تستحيل إلى فكرة خرافية على صعيد العمل و الممارسة.

إن الراهن في العولمة، هو التخطيط لاضمحلال مقومات الهوية و تعطّل الصورة الكونية للإنسان.

و لذا نقول: ليس "الكوني" وضعاََ إيجابياََ بإطلاق، و ليس "للعولمة" صورة سلبية مطلقة، و إنما ذلك التصور الذي وجد في العولمة مجالاََ لتلبية ممارسة القوة و الهيمنة بالفعل.

و إذ ذاك تغدو العولمة متخفية وراء "القيم النبيلة" لتبرّر و تمرّر تقافتها النموذجية و تنسحب الثقافة "الأدنى" وفق تصنيفات الآخر ، تحت شعار " العالم قرية واحدة".

إن التفاعل بين الذوات هو ما يؤسس رؤية فينومينولوجية للعالم، وهي رؤية يمثل فيها الثقافي قوام كونية الإنسان و الأساس الضروري لإنفتاح الهويات في بعدها التاريخي، فلا يمكث الإنسان و العالم في مستوى الذهن و إنما يغادره إلى حيّز الفعل و التفاعل.

حيث لا ينكشف الفعل الثقافي إلا في إطار التفاعل بين ذوات يؤلف بينهم اختلافهم، و ليس الفعل الثقافي محاولة تطبيعية نسخية في العلاقة بين طرفين، يتوهم أحدهم ثنائية الأعلى و الأدنى.

من هنا علينا تجذير هويتنا القومية، عبر استنهاض فعلنا الثقافي و الفكري و العلمي، و تأكيد استقلالنا الاقتصادي و تطويره و تجسيد مبدأ سيادتنا السياسية،
و ترسيخ مبادئ الحرية و الديمقراطية و الحق و العدل، ما يمكننا من ولوج العالم و الكونية وفق معادلة التكافؤ و التفاعل و التبادل.

كل الإحترام و التقدير لك حكيمنا الغالي و الرائع ، أستاذي الدكتور بهجت سليمان.

***

كما عقب الشاعر المهندس ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

كنت على شفا الانتهاء من البحث عن لا نهاية الفكر و ها أنا أعلن التوبة و الاستتابة معك لا لأتوب عن الخطيئة بعدم ارتكاب آثام الفكر بل لأجعل الفكر مشواراً يعلن خطاياه علينا كي نخطئها في كلّ تدبّرٍ و تفكّر.

نعم إنّ مغازي الفكر لا تعلن غزواتنا كي نقتحم أنفسنا فحسب بل كي نغزو تاريخنا لنحلّله حيث تقتضي الأبجديات البناء الماراثوني لمشاريع الحضارة التي باتت ماراثون نهاياتنا و بداياتنا دون انقطاع و رغم ذلك لم ننقطع عن غضباتنا الكبرى في تفسير التاريخ و في حيثياته الكبرى!

لم أكن بيركليس حينما نظرت مع الأسد من قاسيون دمشق إلى إطلالاتها الجميلة بمستقبل الحداثة و بإعمار العولمة لا بركامها و تهدماتها

و لم تكن دمشق أثينا حينما دارت عليها النوائب بل هي صرخة الياسمين و البقاء الجميل الخالد في وجه من أرادوا سلبهما مأواها الجميل و روحها الحية التي لن تتقادم بالعولمة و لن تنقرض بالأحقاد مهما عبرت و مرّت كي تجتثّ الجمال بكلّ ما يبنيه وسط الركام!

نعم إن الفكر هو الجسم الرئيسي في بناء أيّ مغزىً سياسيٍّ فالمغزى لا يولد دون دوائر فكرية لكن ليست تلك الدوائر التي فقدت مركزها الوطنيّ بل تلك الدوائر التي تعود إلى مركزيتها الوطنية مهما توسعت و امتدت أقطارها و هذا ما يجعل المغزى السياسي ينطلق من عالمية ما حوله إلى مركزه الداخلي الوطني مروراً بالعولمة و الحداثة و العصرنة و كلّ مقتضيات الانطلاق إلى البنى الحقيقية في تطوير الفكر و انطلاقه إلى سياسة تطبيقه و تطويره وسط كل التحولات المحيطة الكبرى!

للعولمة محيطات لا تُدار برومانسيات الشعراء و لن تساعدها حكمة الفلاسفة على ابتلاع الأوطان و خاصة تلك النائية بتخلفها الذي لم يعد ثالثاً فحسب بل بات متلاطم الامتداد يصيب كلّ من يقترب منه بمس الجنون و التبعية و بوباء فقدان الهوية و ذوبانها و تلاشيها!

نعم العولمة لها أقدام غوريلا العمالقة التي تسحق الأوطان من شمالها إلى جنوبها و من شرقها إلى غربها كي تسرق المركز و تدير الدوائر حول أبنائها بأكاذيبها و ببريقها و لمعانها تلك الأكاذيب التي تريد سرقة المراكز و توجيهها نحو قطب واحد ليس على قاعدة الحفاظ على الشوارد بل بقاعدة الذوبان التام و فقدان أية شحنة أو أيّ اتجاه!

إذا لم يقدر الفكر على أخذ المغزى السياسي نحو الانخراط في العولمة بتكتيك الإبقاء على المسافات التي لا تفني الشوارد و لا تبتلع الفوارق الجغرافية و الزمنية و الاستراتيجية و لا تقهر الملامح الوطنية ولا تجتثها بأقنعة هذه العولمة و تلك العالمية فهو لا يستحق حمله و لا يقتضي اعتناقه بالعقيدة او بنكرانها مهما كان لمّاحاً إذا ما افتقد إلى الجرأة و الشجاعة الوطنية!

سقطت أقنعة المصاحف و بروباغندا الدول التي تدّعي الصداقة بعدوانيتها التي باتت ظاهرة بعد كل ضمور

و نحن رفعنا راية حلفائنا كي نكمل كلّ مغازينا السياسية بفكرٍ لن تسقطه الأبجديات المارقة على مرّ التاريخ ببوصلة الأوطان التي تحيي ببطولة شجعانها الأساطير!

لنا بسلاسلك عناوين فكرية سياسية عالمية تشع العولمة حيث يجب أن تكون لتحيي بقاءنا الوطنيّ حيثما و أينما قادتنا رؤى الشجاعة و البطولة و النقاء دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.